jailani, peguam, ustaz, islam, syariah, undang-undang, law

تبديد الأوهام الطنطاوية في البنوك الربوية

 

بقلم : أ.د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

إذا كان الشيخ قد  امتد  بفتاواه المردودة أخيرا إلى الوضع الدستوري للبلاد التي يسكنها مسلمون  .وبارك فيها العلمانية وخذل صحوة المسلمات في أوربا وغيرها أو أصابها في مقتل في وقت ينتظرن فيه نصرته بكلمة الحق والشرع متناسيا قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء بسنن أبي داود بسنده عن إسماعيل بن بشير يقول سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (   ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته ) متجاهلا أين هو بين هذين

وإذا كان الشيخ لم يكتف بمواقفه المتخاذلة المتذبذبة من القضية الفلسطينية والعراقية وقضايا الشعوب والتحرير والتعليم

وإذا كان الشيخ بتخليه عن المرأة المسلمة في فرنسا قد أخل إخلالا جسيما بواجباته القانونية التي تفرضها المادة الثانية من الباب الأول من القانون رقم 103 لسنة 1961 التي جاء فيها أن ( الأزهر هو الهيئة العلمية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب ) والمادة رقم 6 التي تنص على أن شيخ الأزهر هو الذي يمثل الأزهر

وإذا كان الشيخ بفتواه الجديدة عن حجاب المرأة المسلمة في فرنسا قد أضاف إلى أمجاده التاريخية قتلى جددا من بينهم دور الأزهر في العالم الإسلامي

فإن الشيء من معدنه لا يستغرب .. إذ هو إنما يواصل فتاواه التي اصطــُلح أخيرا على تسميتها بالليبرالية مما يشي بطابعها التغريبي ،  مواصلا ما بدأه منذ أربعة عشر عاما بضرب الاقتصاد الإسلامي في  مقتل بفتواه بحل فوائد البنوك الموصومة بالربوية وهي المعركة التي نراها من أهم المعارك العصرية التي تعني مشكلة الذاتية الإسلامية  في الصميم ، إذ يحاول البعض وعلى رأسهم الشيخ محمد سيد طنطاوي – تهجين فوائد هذه البنوك الموصومة بالربوية وإعطاءها عناوين عصرية بعضها مضحك – من مثل كلمات ” الفائدة ” و ” الربح ” و ” الجائزة ” و ” العائد ” الخ .

 

 يتعرض الأستاذ الدكتور حسين حامد لظاهرة التلاعب في ألفاظ الربا والفائدة والربح إلخ في بحثه المنشور في 15\12\2002فيقول : ( تنص المادة الرابعة من القانون رقم 37 لسنة 1992 على أن تُستبدَل بكلمة “الفائدة” أينما وردت في القانون رقم 163 لسنة 1957 أو القانون رقم 120 لسنة 1975 كلمة “العائد”، وهو لا يغير من الحكم الشرعي، وهو حرمة كل زيادة عن مبلغ القرض؛ ذلك أن الحكم الشرعي مرتبط بكلمة “النفع” بكل صوره وجميع أشكاله، بصرف النظر عن التسمية التي تُطلق عليه، ربحًا كانت أو عائدًا أو هدية أو منحة أو مكافأة أو جائزة ) يقول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وان تبتم فلكم رءوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون )279 البقرة .

 ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة في سننه بسنده : ( الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) ورواه الحاكم وصححه .وروى الإمام مسلم بسنده عن جابر رضي الله عنه قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه ، وشاهديه ، وقال : هم سواء ) .

 

 أما الذين يحاولون التخلص من حكم الربا في فوائد البنوك – وقد أصبح الشيخ الطنطاوي رمزا لهم وإن لم يكن أولهم – فلهم أوهام يحاولون أن يصنعوا منها مخارج  .  وسوف نتعرض هنا لأوهام الشيخ بالتفصيل مشيرين لما عداها على وجه الإيجاز

 

ففي الوهم الأول :  يحاول بعض المروجين لتغريب المجتمع الإسلامي وخلعه من قواعده اقتصاديا .. ادعاء أن الربا المحرم هو ما يكون أضعافا مضاعفة ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن محرما .

والحقيقة التي غفل عنها هؤلاء : أن الربا في جميع أحواله مضاعفة مستمرة سنويا لمقدار ما يسمى الفائدة ، مهما قلت النسبة .

يقول العلامة الأستاذ  الدكتور محمد عبد الله دراز : ( إن قواعد اللغة تجعل كلمة أضعافا الواردة في قوله تعالى  ” لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ” حالا من الربا نفسه ، ولو كان الأمر كما يزعمون – أي حالا من رأس المال – لكان القرآن لا يحرم الربا إلا ما بلغ  ثلاثة أمثال رأس المال على الأقل ) [1][1] .

ويكفي أن نتذكر الربا الذي أعفيت منه مصر في ديونها العسكرية ، طبقا لما ذكره رئيس الجمهورية في تصريح سابق حول حرب الخليج الثانية  : إن مصر أعفيت من ديونها لأمريكا بمبلغ سبعة مليارات ، كانت ستدفعها ثلاثة وعشرين .

ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف في  مقالته بمجلة لواء الإسلام السنة الرابعة بالعدد الحادي عشر والثاني عشر 1370 هـ 1951 م : ( فالتقييد بالأضعاف المضاعفة ليس للتخصيص والاحتراز عما عداه ) [2][2]

 وقد نص المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر على أن ( كثير الربا وقليله حرام كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى ” يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ” ) [3][3]

ومهما  يكن فان الرد يؤخذ من صريح قوله تعالى  : ( وان تبتم فلكم رءوس أموالكم ) وهو يعني رأس المال بغير أية زيادة

ولا يخالف الشيخ طنطاوي في هذه النقطة شيوخنا الأجلاء  كما يفهم من  تلخيصه لما ذكره الإمام الرازي في تفسيره للآية ( والتقييد بقوله سبحانه أضعافا مضاعفة ” ليس المقصود منه النهي عن أكل الربا في حال المضاعفة خاصة وإباحته في غيرها ، فالربا قليله وكثيره حرام وإنما المقصود منه توبيخهم على ما كان متفشيا فيهم   )  [4][4]   .

 

أما الوهم  الثاني ففي قولهم :

إن الربا لا يكون إلا في الأصناف الستة وهي الأصناف الواردة في الحديث الشريف الذي ورد في الصحيحين بقوله صلى الله عليه وسلم ، في رواية مسلم بسنده عن عباة بن الصامت  : ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبـُر بالبـُر ،والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد )

وهنا يحلو للبعض أن يتوهم  أن النقد المعاصر ليس فيه ربا على أساس أن الربا لا يكون إلا في هذه الأصناف الستة الواردة في الحديث، ومنها الذهب والفضة معتبرا أن الذهب والفضة لم يكن يتم التعامل بهما باعتبار الثمنية النقدية المتمثلة فيهما كما هو الحال في النقد  ، وإنما كان يتم التعامل بهما باعتبارهما سلعة من السلع التي تطرح في السوق تماما كما يطرح القمح  والشعير والتمر والملح  ، وبناء عليه ينحصر الربا في التعامل فيهما كسلعة ولا يقاس عليهما النقد الحديث من الجنيه والدولار والفرنك وما ماثل ذلك ، فهذا النقد لا يجري عليه الربا بأي حال ، لأنه لم يرد ذكره في الأصناف الستة المذكورة في الحديث .

ولا أظن أن الشيخ يذهب هذا المذهب

 ومن الواضح أن هذا الرأي مبني على تجاهل لحديثه صلى الله عليه وسلم ( ألا إنما الربا في النسيئة ) في صحيح مسلم – وعلى مكابرة في إنكار تعامل العرب في الجاهلية وفي  عصر الرسول وفي العصور التالية بالذهب والفضة باعتبارهما نقدا أيضا ، بدليل تسميتهما في تلك العصور باسمين من أسماء النقد لا من أسماء المثاقيل والموازين ، وهما اسما الدينار والدرهم كما هو معروف ومشهور ، تماما كما كان التعامل يجري إلى وقت قريب –  في الجنيه الإسترليني ، وهو من الذهب بوزن خاص .  يقول الإمام مالك : نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الذهب والفضة إلى ما يتخذ ثمنا أي تقوم به الأشياء في المبادلات  ويقول الإمام الشافعي : نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب والفضة إلى النقود والأثمان .[5][5]

 

أما الوهم الثالث  فهو حول الصورة التي كان عليها الربا في الجاهلية

وأصحاب هذا الوهم يتصورون أن الربا المحرم ينحصر فيما يكون على نفس  الصورة البيئية التي كان عليها في الجاهلية ، وقد يتوهمون ذلك مما ذكره الشيخ طنطاوي ، إذ يقول ( يتبين أن ربا الجاهلية يتمثل – مجموعه إن لم يكن جميعه في أن يكون لإنسان دين ، فإذا حل موعد السداد وعجز المدين عن الوفاء ، قال له الدائن : أزيدك في الأجل وتزيدني مبلغا معينا على أصل الدين ، ويتفقان على ذلك ، وهكذا يكون الشأن كلما حل السداد ولم يستطع قضاء ما عليه من ديون ) [6][6]

  يحلو للبعض أن يتوهم من ذلك أن  المراد في الربا المحرم أن يقوم على ما جاء في صورته تلك من المفاجأة في طلب الربا عند حلول الأجل ، وهذا فضلا عن كونه لم يكن من لوازم  ربا الجاهلية ، فهو غير مقصود وغير معقول ، إذ يكون معناه : أن الشيء لا يكون محرما إذا تم الاتفاق عليه مقدما . مع أن التحريم ورد لإلغاء ما هو موضع الاتفاق ، مثل بقية المحرمات : من الخمر والميسر والزنا والشرك الخ

ومن ناحية أخرى فقد عرفت الجاهلية الزيادة المشروطة في ابتداء القرض وتعاملت بها ، وبالتالي فهي مشمولة بالتحريم نصا ، وليس قياسا على الزيادة التي تشترط عند حلول الأجل ، بجامع الزيادة نظير الأجل

جاء في تفسير الرازي : ( أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا مقارفا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ، ثم إذا حل الأجل طالبوا المدين برأس المال ، فإذا تعذر عليه الأداء زادوا عليه في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية ) [7][7]

كذلك فإنه ليس من المتصور أن يكون المراد ما كان يلابس ربا الجاهلية من مظاهر محلية هي من لوازم المجتمع الأمي ، كأن يتم العقد بأسلوب كلامي ساذج ، أما عند ما يتطور الأمر إلى  أسلوب البنوك الحديثة فإن الحكم يختلف ، بنفس القدر الذي لا يمكن أن نتصور فيه أن يكون الشرك المحرم هو ما كان في صيغة ” هبل ” فإذا تطور إلى  صيغة بوذا اختلف حكمه ، أو أن يكون الخمر المحرم هو ما كان في صيغة النبيذ المعتق في الجاهلية فإذا تطور إلى  الفودكا اختلف حكمه !! أو أن يكون القمار المحرم هو ما كان يجري في الجاهلية ، فإذا تطور إلى  قمار الفنادق العصرية والبيوت الراقية والإشراف الإداري عالي المستوى ولأغراض تنموية كالسياحة لم يكن معروفا في الجاهلية لم يكن محرما .

 إن النظر من خلال هذه الوجهة ليس إلا وقوعا في مستنقع مذهب النسبية التاريخية الذي يمكنه أن يسوق هذا المنهج إلى  جميع ثوابت الإسلام بما في ذلك الألوهية والنبوة والعقيدة والأخلاق والشريعة جميعا ، وهو – في نهاية النفق – يعني الخروج من الإسلام جملة وتفصيلا

ومن البديهي إذن أن نقول إن الربا المحرم يكون كذلك سواء تم الاتفاق عليه مقدما ، أو ظهر الاتفاق عليه عند حلول أجل السداد .

وحول هذا يقرر الشيخ طنطاوي : أربع صور محرمة  لربا النسيئة :

الصورة الأولى : ( الربا الجلي الصريح وهو الذي تتجدد فيه الزيادة على المدين بتجدد الأجل ، ) ثم يقول ( وهذه الصورة وما يشبهها هي التي يسميها الفقهاء ربا النسيئة ، أي التأخير )

ثم يقول ( وهناك صورة ثانية  لا تقل في شناعتها وقبحها عن الصورة السابقة وهي أن يطلب  إنسان محتاج من آخر مبلغ مائة جنيه فيشترط عليه هذا الآخر مقدما أن يرد له هذا المبلغ بعد مدة قلت أو كثرت ، بزيادة معينة قد تكون عشرة أو عشرين ) 

ثم يقول : ( وهناك صورة ثالثة من صور الربا المحرم وتتمثل فيما تفعله بعض المؤسسات من بيعها مسكنا من المساكن بعشرة آلاف جنيه مثلا على أن يدفع المشتري ألف جنيه مقدما ويدفع الباقي بفائدة سنوية ، فهذه الفائدة من باب الربا ) [8][8]

ثم يقول ( والصورة الرابعة من صور الربا المحرم تتمثل فيما تفعله الدول الغنية مع الدول الفقيرة من إقراضها مبالغ من المال ، تحتاج إليها الدول الفقيرة لسد مطالب الحياة الضرورية ثم تفرض الدول الغنية على الفقيرة فوائد باهظة ، صارت بسببها هذه الدول الفقيرة عاجزة عن سداد الفوائد المركبة فضلا عن الديون الأصلية ) [9][9]

 

وبقيت الصورة الأخيرة التي لم يذكرها الشيخ في هذا الموضع من كتابه وهي صورة الفوائد البنكية التي سيجري النقاش حولها ، تحت عنوان : الوهم الخامس .

 

الوهم الرابع : حصر الربا في القروض الاستهلاكية

يرى  الواهمون هنا  أن الربا لا يكون إلا في القروض الاستهلاكية للمأكل والمشرب وما شابه ذلك ، أما ما يسمى استثمارا فليس محرما ، وفوائد البنوك الحديثة إنما تجري في العمليات الاستثمارية فخرجت بذلك من الربا ..وإلى هذا تشير الصورة الثانية  من صور الشيخ طنطاوي المذكورة آنفا

وهذا أساس غير صحيح ، بدليل ما جاء في صحيح مسلم : (  لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء ) إذ لو كان الربا الذي يحرمه الإسلام هو هذا النوع الاستهلاكي فقط لما وقع الإثم على المقترض … الذي هو في وضع المعذور المحتاج أو المضطر . ولانصب اللعن على المقرض وحده .

وهو غير صحيح أيضا لما هو معروف من أن أول ما ألغاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الربا حين نزلت آية التحريم هو ربا عمه العباس ، وقد كان ربا استثماريا – بلغة العصر- إذ كان العباس تاجرا كشأن غيره من التجار يجمع من قريش أموالا يستثمرها في تجارته بالشام ، ولم يكن يجمع أموالا لحاجة استهلاكية من طعام وشراب .

ومن المعروف تاريخيا أن مكة كانت تعيش اقتصاديا على رحلتي الشتاء والصيف ، أولاهما إلى  اليمن وجنوب الجزيرة ، وثانيتهما إلى  الشام ، وكان يتم تمويل هذه الرحلات عن طريق القروض الموصومة بالربوية: أولا من اليهود الذين كانوا يقيمون بالطائف بعد طردهم من اليمن ، ولم تكن لهم صناعة إلا الإقراض بالربا ، وثانيا من أغنياء قريش في مكة ، وقد كان منهم بعض من أسلموا كالعباس ، وخالد بن الوليد ،وعثمان بن عفان ، ومن ذلك كانت قافلة أبي سفيان التي كانت سببا في غزوة بدر .

وكان التجار يعتمدون في سداد الربا على الأرباح التي تدرها التجارة عليهم .

أي كانوا يقومون – كما يقول الدكتور محمد عبد الله العربي في بحثه أمام المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية – بنفس الدور الذي تقوم به البنوك الآن .

يروي الإمام الطبري تفسيره في أسباب نزول قوله تعالى  : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا )  أنها نزلت في العباس بن عبد المطلب ، ورجل من بني المغيرة ، كانا شريكين في الجاهلية سلفا بالربا إلى  أناس من ثقيف ، وهم بنو عمرو بن عمير ، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا .

وروى أيضا أن بني عمرو بن عمير هؤلاء كانوا يعملون بالربا مع بني المغيرة ، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير ، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم ، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام ، ورفعوا ذلك إلى  عتاب بن أسيد ، فكتب عتاب إلى  رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية .

وروى أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح ثقيفا على أن ما كان لهم من ربا على الناس ، أو ما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع .

وصريح هذه النصوص – كما يقول الدكتور حسن صالح عناني  [10][10]– أن العباس وشريكه كانا يقرضان بني عمرو بن عمير من مال الشركة ، وفي الوقت ذاته كان بنو عمير يقرضون بني المغيرة ، كما كانت ثقيف تقترض ثم تقرض بالربا .

ومعنى ذلك أن هؤلاء كانوا يقومون بنفس الدور الذي يقوم به البنك اليوم  في تحريك رأس المال في التجارة الاستثمارية .

وأن إقراض الأموال في الجاهلية كان بقصد استثمارها ربويا .

وأن المقرضين كانوا يستغلون القرض : إما في التجارة – مباشرة – للربح وسداد الربا ، وإما بإعادة تدويره وإقراضه لآخرين بالربا . وهي خبرة مستفادة من تجار المال من جيرانهم اليهود

 

 ونضيف إلى  ذلك : أن ما يسمى مشروعا استثماريا – تجارة وصناعة مثلا – فإنه يؤول بالقطع إلى  حالة استهلاكية يدفع فيها المستهلكون جميع التكاليف عندما يشترون إنتاج هذا المشروع ، فيتحملون في ثمن الشراء كل تكاليف أقساط الربا ، فالذين يدفعون الفوائد الموصومة بالربوية هم في نهاية الأمر المستهلكون .

إن وصف الربا بأنه إنتاجي أو استهلاكي هو مسألة اعتبارية محضة ، فكل ما هو إنتاجي من ناحية استهلاكي من ناحية أخرى ، والعكس صحيح .

إن الفوائد التي تؤخذ على قرض لمشروع لإنتاج حديد التسليح مثلا يدفعها في نهاية الأمر ذلك الذي يشتري المنزل أو يستأجر الشقة .

 

 وقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر منذ الستينات – في المؤتمر الثاني – قراره بان الفائدة حرام ، وهي ربا ، سواء فما يسمى مشروعا إنتاجيا ، أو استثماريا ، أو استهلاكيا . كله سواء .ونص القرار ما يأتي (الفائدة على أنواع القروض كلها محرم ، لافرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي ، لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين )

 

 

أما الوهم الخامس وهو الوهم الطنطاوي الأكبر ففي القول بأن ما تقوم به البنوك هو المضاربة المقررة شرعا

حيث ذهب الشيخ طنطاوي في فتواه المعروفة والصادرة عنه منذ كان مفتيا للديار المصرية إلى أن ما تقوم به البنوك في عملية جمع المدخرات ودفعها  لأصحاب الحاجات والمشروعات هو المضاربة المشروعة ، غاية ما في الأمر أنها عند البنوك محددة الربح سلفا ، بخلاف المضاربة المعهودة ، وهذا التحديد للربح سلفا لا يغير من الوضع الأساسي لكون المضاربة مضاربة ، والخلاف حوله مسألة اجتهادية ، لاتجر إلى  الربا سلبا أو إيجابا ، وهو وضع جديد له دواعيه من حيث قطع الخلاف بين طرفي المضاربة حول الربح مستقبلا ، ومن حيث إن المؤسسات البنكية لا تخسر وإن خسرت عوَّضت ما خسرت.

 ولكي نبين خطأ هذا الرأي  نبدأ أولا بإزالة الخلط الذي يقع  بين مال القرض والوديعة والمضاربة ، وكما يقول الشيخ بإسهاب  😦 من المتفق عليه بين العقلاء أن فهم الأمور فهما سليما يؤدي إلى الحكم الصحيح عليها ) [11][11].

وسنبين هنا أن أعمال البنوك التي تقوم فيها بجمع أموال المدخرين وإعطائها للطالبين لها حسب شروطها ليست من أعمال المضاربة كما تصور الشيخ ، ولكنها من القروض التي قال فيها بوضوح : ( والقرض إذا جر نفعا يكون من باب الربا المحرم إذا اشترط المقرض على المقترض زيادة معينة) [12][12].

 

ومن هنا نقول بشيء من التفصيل : إن المال الذي يقدمه المدخرون للبنك ، أو يقدمه البنك للمستثمرين :

أولا : لا ينطبق عليه وصف الوديعة شرعا لأنها – أي الوديعة – لاضمان فيها على المودَع لديه إلا في حالة الإتلاف عمدا ، وهي أمانة يجب إرجاعها عند الطلب بغير زيادة أو نقصان [13][13]ولا هكذا البنك .

ثانيا :  وهي ليست من المرابحة بداهة تلك التي يقول فيها الشيخ طنطاوي ( قد عرفها بعض الفقهاء بأنها بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح ) .

ثالثا : وهي ليست من المضاربة التي هي كما يقول الشيخ طنطاوي في فتواه : ( المضاربة : معناها بإيجاز أن يقدم إنسان يملك المال ولا يحسن العمل ، مبلغا من المال إلى إنسان آخر يحسن العمل ولا يملك المال ، لكي يستثمره له على أن يكون الربح بينهما مناصفة أو اكثر أو اقل) [14][14] ، فالمضاربة عقد شركة في الربح ، بمال من أحد الجانبين وعمل من الآخر . وفي المضاربة يكون المال المدفوع إلى  العامل أمانة في يده ، لأنه قبضه بأمر مالكه ، لا على وجه البدل  كما في البيع ، ولا يختص بنفعه كما في الإجارة ، فكان العامل أمينا ، ووكيلا في التصرف ، وبناء عليه لا يضمن التلف أو الخسارة إلا أن تكون متعمدة ، أو بتعد منه . وذلك موضع الإجماع كما يقول الإمام ابن رشد [15][15]

فإذا شرط رب المال الضمان على العامل ؛ فالمضاربة فاسدة عند  مالك والشافعي أو هي جائزة والشرط باطل كما هو عند أبي  حنيفة وأصحابه ، واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى  صاحبه ما لم يفت بالعمل [16][16].

 

وإذن فالذي  يقوم به البنك ليس من باب المضاربة ، كما أنه ليس من باب الوديعة ، وإنما هو من باب القرض الذي يرد بزيادة مشروطة وهي ربا باتفاق . وهو هو القرض الذي عرفه الشيخ طنطاوي  بإسهاب ، لغة وشرعا  [17][17]

والقرض إذا جر نفعا يكون من الربا المحرم كما يقول الشيخ طنطاوي نفسه [18][18]

 

 ونقطة البحث هنا : حول ما وقع فيه الشيخ طنطاوي  من حِل فوائد البنوك المعاصرة الموصومة بالربوية ، على أساس  عقد المضاربة ، ثم ما يقوم به من سحب المناقشة بعد هذا الافتراض إلى  البحث حول صحة أو عدم صحة تحديد الربح مقدما بنسبة من رأس المال .

 

والخطأ الكبير الذي وقع فيه الشيخ هو ما أراد لنا أن نتوهمه من  أن البنوك تقوم بأعمال المضاربة

إن معاملات البنك في المدخرات التي يجمعها ثم يدفعها للطالبين لها حسب شروطه  لا تدخل في  عقد المضاربة أصلا – لا لأن الربح محدد سلفا مما يدور حوله الجدل – ولكن لأن هذا هو واقع أعمال البنك .

البنك لا يقوم بمشروعات استثمارية – سواء بخبرة العمل أو بقوة المال – ولا يشارك فيها -إلا بنسبة ضئيلة محكومة بنسبة محددة من نشاطه العام كما سنبين بالتفصيل فيما بعد – البنك يتحرك ضمن نطاق القرض ، وهو يتعامل في هذه القروض بالزيادة ، له أو عليه ، فهو يتعامل بالربا الصريح ، وهو عبارة عن مكتب مراباة ، يتوسط بين المرابي الأول – الذي يدفع إليه المال – وبين صاحب المشروع الاستثماري ، ويقوم هو – أي البنك – بدوره بين الاثنين مرابيا ثانيا .

 ولزيادة الشرح لهذه الحقيقة الواقعة نقول :

في أعمال البنك توجد ثلاثة أطراف :

 المرابي الأول ( من يسمونه المودِع ) وهذا يأخذ فائدة10 % مثلا

 المرابي الثاني – وهو البنك – يأخذ فائدة 20 %  مثلا

 والثالث  صاحب المشروع ، ذلك الذي يؤسس مصنعا أو مزرعة أو عمارة ، وهذا يدفع مجموع الربوين !!

 فأين هذا من المضاربة ؟ المضاربة مشاركة من جانب بمال ، ومن جانب بعمل أو خبرة ، والبنك لا يشارك بأي من الأمرين .

البنك ليس له سهم ملكية في المشروع الاستثماري كما هو شان المضارب بالمال — إلا نادرا كما سنبين — ونناقش فيما بعد – – فهو ليس شريكا بالمال فهو ليس مضاربا بالمال .

 والبنك لا يقوم بعمل في المشروع الاستثماري ، فهو من ثم ليس مضاربا بجانب العمل .

 

 البنك واقف بين الطرفين : ينحصر دوره في أنه يقترض من صاحب المال ، ثم يقرض صاحب العمل ، وهو بالرغم من أنه لا عمل له ولا مال  يحصل على  ربح ، بل على ما يكون اسمه شرعا : الربا .

وصاحب المشروع الذي هو الطرف الثالث  يخسر – إذا خسر – فتصادر أصوله الثابتة ، كما تصادر أمواله الأخرى الضامنة والتي تقع تحت طائلة القانون حامي البنك . 

 إنه أي البنك – مضخة مالية : تجمع المال من المقرضين الأوائل ، ثم تقوم هي بدور المقرض الثاني  ، فتضخه إلى  المقترضين العاملين في المشروع الاستثماري .

 

 إن البنك – لا يشارك صاحب المشروع الاستثماري – فانفصل عن الاستثمار أو المضاربة من بداية الأمر ، فأصبح الحديث عن اجتهاد جديد في تحديد الربح أو عدم تحديده من رأس المال .. اجتهادا في غير الموضوع  وهروبا من المشكلة إلى الأمام .

 

 البنوك نشاط مالي بحت ، والآلة الاقتصادية الحديثة الضخمة المعقدة تحتاج إلى  هذا الجهاز في صورته تلك : أن يكون جهازا ماليا بحتا ، لا يقوم بمشروعات غالبا ، ولا يشترك فيها ، وإن كان يقرض أصحابها .     wb

هذا بحكم احتياجات الحركة الاقتصادية المعاصرة .

هذا بحكم التخصص بين المؤسسات والأجهزة ، وهذه حاجة معاصرة أيضا .

 

البنك أشبه ما يكون بالطلمبة في المزرعة : يجمع المال ثم يضخه ،كما تجمع الطلمبة الماء ثم تضخه .

والذين يتوقعون من البنك أن يقوم بمشروعات يشارك فيها يطلبون منه ما ليس له  ، يطلبون منه ما هو خارج عن طبيعته واختصاصه ، كما لو طلبنا من الطلمبة أن تكون محراثا ، أو كما لو طلبنا من مهندس الميكانيكا أن يكون مهندسا زراعيا ، أو كما لو طلبنا من الصيدلي أن يكون بقالا .

من حق البنك – بل من طبيعته – أن ينزعج ويرفض .

 

 واسألوا هذه البنوك نفسها ، : نعم إنها تسخر منا عندما نلصق بها أنها تقوم بالمضاربة ، ولكنها تلوذ بالصمت – في هذه النقطة لكي تحصل على التبرئة من تهمة الربا .

 

لكن اسألوها : هل تقبل  أو يمكنها فعلا أن تقوم بمشروعات في أكثر من النسبة الضئيلة التي يحددها البنك المركزي والتي سنذكرها بعد ؟ ، اسألوها هل تقبل أن تكون شركات توظيف أموال كالشريف وما أشبه ؟ الإجابة من واقع وظيفتها الاقتصادية القانونية المتخصصة – : لا . وهي إجابة تكشف عن مكنون هذه البنوك : وأنها لا تعدو أن تقوم بدور مقترض من المدخرين الذين هم الطرف الأول ، وتُقرض أصحاب الحاجات الذين هم الطرف الثالث . تقوم بوظيفة عمرو بن عمير : مضخة تجمع المال ثم تضخه . إنها لاتقبل ولا يمكن أن تقبل أن تكون محراثا .

 

 ثم اسألوها ثانية : هل تقبل أو يمكنها أن تجعل أموالها التي أقرضتها لأصحاب المشاريع مملوكة لها ضمن المشروع ؛ بأن تصبح مالكة أو شريكة في ملكية المشروع لا تخرج عنه إلا ببيع وشراء ؟

 أم هي أموال واجبة الرد في آجال محددة ، لابد من ردها على دفعة واحدة أو على أقساط ، وفق العقد الذي بينها وبين صاحب المشروع ، فهي أموال قرض ، وليست أموال مشاركة ؟

 الجواب واضح شديد الوضوح : وهو أن ذلك يعني تغييرا له من شركة بنكية ، إلى  شركة استثمارية .

 

 إن ذلك يعني بوضوح أيضا أن المركز القانوني لهذه البنوك مع أصحاب الأموال من ناحية  وأصحاب المشروع من ناحية ثانية هو مركز الطرف المتوسط الذي يقترض ثم يقرض ، الأمر الذي لا يترك مجالا لإلحاقه بمركز المضارب ، وبالتالي يقفل الباب ابتداء أمام الاجتهاد في كونها مضاربة صحيحة أو فاسدة ، وفيما إذا كان يجوز تصحيحها بوجه من وجوه الاجتهاد في تصحيح المضاربة ؛:

 سواء من جهة البحث في جواز تحديد الربح مقدما ، أو عدم تحديده .

   أو من جهة اعتبار الزيادة الثابتة على رأس المال من باب أجر المثل الذي يجيزه الفقه في المضاربة الفاسدة لتصحيحها ، لأن أجر المثل يعطى لصاحب العمل نظير عمله ، لا لصاحب المال ، ومن ثم لا يصح قياس البنك عليه ، لأنه ليس صاحب عمل ، ولكنه صاحب مال ، فإذا أخذ الأجر على المال فذلك هو الربا بعينه ، ولا شأن إذن للمضاربة الصحيحة أو الفاسدة بذلك . .

 

ولابد من التعرض هنا لقول الشيخ طنطاوي  وأمثاله  أن البنك يقوم بمشروعات ، ومن ثم فهو يقوم بدور المضارب ، والرد على ذلك يأتي أولا بتأكيد دور البنك في الاقتراض والإقراض ، وأنه قد يقرض من يقومون بمشروعات ، ولكنه يظل بمنأى عن المشاركة فيها ، وتحمل مسئولية المكسب والخسارة .

وقد تقوم البنوك بدراسات جدوى للمشروع ، ولكنها إنما تفعل ذلك للاطمئنان على مصير قرضها الذي قدمته لأصحاب المشروع لا أكثر ولا أقل .

 

نعم ؛ قد تقوم بعض البنوك ببعض المشروعات ، ولكنها لا تفعل ذلك إلا في نطاق نسبة ضئيلة محدودة من رأس المال المودع لديها خضوعا لنظريتها الاقتصادية التي تقوم عليها .

وكما يقول  الأستاذ الدكتور حسين حامد في بحثه المنشور على موقع إسلام أون لاين 25\12\2002  ( إن  البنوك التجارية والمتخصصة لا تملك استثمار الودائع بنفسها استثمارًا مباشرًا؛ بمعنى الاتجار فيه، بل تملك إقراضه للغير بفائدة. وذلك بحكم القانون المصري رقم 163 لسنة 1957 والقوانين المعدلة له في المواد : المادة رقم 26 والمادة رقم 38 من نفس القانون ، والمادة رقم 39 من نفس القانون أيضا والمادة رقم 45 فهذه النصوص تقطع بأنه يحظر على البنوك التجارية وغير التجارية العاملة في مصر الاستثمار عن طريق الاتجار بالشراء والبيع بصفة مطلقة، إلا إذا كان التملك وفاء لدين، وبشرط التصرف في العقار أو المنقول خلال مدة محددة، أو كان العقار مستخدمًا لإدارة البنك أو لأماكن ترفية موظفيه. وحتى في حالة المشاركة في تأسيس الشركات وشراء أسهم، يحظر على البنك أن يمس الودائع مطلقًا، بل إن له أن يتصرف في حدود حقوق المساهمين

فافتراض الفتوى أن البنوك تقوم باستثمار الودائع بالاتجار فيها بالبيع والشراء بصفة مباشرة، أو حتى شراء أسهم الشركات افتراض غير صحيح، وبناء الفتوى عليه باطل. وإذا كنا نتكلم عن أمر واقع.. فأين هو؟ وأي بنك يقوم باستثمار الودائع بنفسه استثمارًا مباشرًا؟ وأين يعمل؟ أيعمل في مصر أم في الخارج؟؟ ) اهـ

 

وعلى سبيل المثال : نذكر ما نشرته الأهرام في 20\8\1988  من تعليمات البنك المركزي بالقاهرة في تحديد أنشطة البنوك في مصر ، وقد جاءت على النحو التالي :

60 % من إجمالي الودائع للإقراض .

25 % رصيدا احتياطيا لدى البنك المركزي للاستعانة بها عند الضرورة

15 % لشراء أوراق مالية ومواجهة صرف شيكات للعملاء 

ومن هذا يتبين أن ما يسمح به للبنوك للمساهمة في الشركات كمساهمين لا يصح أن يزيد على  سهم من ثلاثة أسهم من الخمسة عشرة في المائة ، التي خصصت لأغراض ثلاثة : هي شراء الأسهم ، وشراء السندات ( أوراق مالية ) وسحب العملاء . ؟ !

 

وفتوى الشيخ طنطاوي لا تواجه هذه الحقيقة ولكنها تسوق لنا خبر  مشاركة البنوك بنسبة كبيرة من الأسهم في عدد من الشركات ، ووثيقة مشاركتها بنسبة كبيرة في بعض المشروعات ( شركة السويس للأسمنت ) [19][19]     كمثال ، ولا نزاع في ذلك ، ولكن النزاع هو في الحقيقة التي كان من اللازم إعلانها : وهي أن هذه المشاركات مهما بلغت فإنه لا يسمح لها بأن تزيد عن النسبة الضئيلة من أعمال البنوك والتي لابد وأن تدور في نطاق القانون والسياسة العليا للبنوك التي لا تسمح بالمشاركة في أكثر مما يحدده لها البنك المركزي وفقا للإحصائية السابقة تقريبا .

 

وقد سمعت بعض المغالطين ممن يأخذون الفائدة من البنك يقول : سأفترض أن حصتي من المال الذي أقدمه للبنك قد استثمره البنك في هذا الجزء الضئيل الذي يوجهه للمضاربة أو المشاركة ، وفضلا عما في هذا القول من هزل لا ندري معه من الذي وقع نصيبه في هذا النشاط الذي لا يتعدى عشرة في المائة من أموال البنك فيكون ما يأخذه من فائدة حلالا ، ومن الذي لا تقع حصته فيه فيكون ما يأخذه ربا ، اللهم إلا أن نطبق هنا ما يشبه قسمة الغرماء فيكون كل من المودعين واقعا في الحلال بنسبة 10 % وواقعا في الحرام بنسبة 90% . فضلا عن ذلك كله فهو لا ينقذ البنك من وقوعه في الربا المحرم بنسبة تسعين في المائة على الأقل من مجموع أمواله المتداولة في نطاق التعامل بما يسمى الفائدة .

 

والخطأ الذي وقعت فيه فتوى الشيخ طنطاوي هو في تصوره أن البنك يمكن أن يترك وظيفته الأصلية ليتحول إلى المضاربة ومن ثم وقع في خطأ آخر في فهم ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده من جواز تحديد الربح مقدما فيما تستثمره الدولة من أموال المدخرين سواء في صندوق التوفير الذي انتشر التعامل فيه في النصف الأول من هذا القرن وما يزال ، أو غيره –  لأن صورة ما تكلم عنه الشيخ محمد عبده يمكن أن يتصور فيها قيام الحكومة التي تضع يدها على هذه الأموال بدور المضارب في مشروعاتها الاستثمارية أو الخدمية على السواء [20][20]

 

كذلك وقعت الفتوى  في خطأ فهم ما ذهب إليه الشيخ عبد الوهاب خلاَّف من جواز تحديد الربح مقدما في الصورة التي تحدث عنها في مقاله بمجلة لواء الإسلام لأنه أي الشيخ عبد الوهاب خلاف –  إنما كان يتحدث عن حالة مضاربة صريحة يقوم فيها أحد الطرفين بتقديم المال ، والآخر بتقديم العمل المضاربة :  أعم من أن تكون مضاربة صحيحة أو فاسدة ، وما تكلم الشيخ بصدده من أعمال البنوك في جمعها لأموال المدخرين وإعطائها لأصحاب الحاجات بفوائد ليس من المضاربة في شيء .

ومن ثم يصبح ما ذكره الشيخ من دفاع مستفيض عن صحة تحديد الربح مقدما في المضاربة في تسع نقاط من صفحة 127-135 من كتابه معاملات البنوك وأحكامها الشرعية من باب الجدل المفتعل للتغطية على أصل القضية ، ومن ثم فهو لغو خارج الموضوع .

ومن هنا جاء توريط مجلس المجمع في تمرير فتوى الشيخ إذ عرض عليه-  عام 2002 – سؤال عن الاستثمار ، ثم عمم على أساس أنه عدول عن فتواه السابقة عام 1965 ، وموافقة على فتوى الشيخ .

 

أما الوهم السادس  ففي القول بأن البنوك لا تخسر ؟

 وهو الوهم الساذج  الذي يبني عليه الشيخ طنطاوي  تبريره لصحة تحديد الربح مقدما في فوائد البنوك بناء على أن البنك لم يحدد الربح مقدما إلا بعد دراسة مستفيضة ودقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها  إلخ

 

ونظر ا لما هو واضح من أن هذا محض كلام نظري ، فإنه أي الشيخ – يحتاط لما يظهر فعلا من خسارة تقع بالبنك أو بغيره في هذه الأعمال فيفترض افتراضا نظريا آخر وهو على حد قوله ( إن الأعمال التجارية المتنوعة إن خسر صاحبها في جانب ربح في جانب آخر ، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر وتزيد الأرباح على الخسائر في معظم الأحيان ) هكذا بدعوة منه مفتوحة على التفاؤل !![21][21]

 

نقول ردا على ذلك : الصحيح أن المشروعات التي تقرضها البنوك معرضة للخسارة ، وهذا هو الأساس في نظرية البنك التي تقوم على أن الفائدة التي تأخذها البنوك  عند الإقراض ، هي ثمن ما يسمى ( المخاطرة ) .

وإذن فالقول باستبعاد الخسارة في المشروعات التي تقرضها البنوك ابتداء قول لا يستقيم مع نظرية الفائدة أصلا .  

 

وفضلا عن ذلك فان البنوك معرضة للخسارة بما لا يمكن – ولا يصح – تغطيته من الفوائد التي تتقاضاها من أصحاب المشروعات الاستثمارية ، بدليل أنها في هذه الأحوال  تلجأ إلى  تقاضي هذه الخسارة من الأصول الثابتة المرهونة التي يملكها الطرف الثالث المقترض من البنك القائم بالمشروع الاستثماري .

 

فإذا لم تكن هذه كافية تخلص البنك منها – لجوءا إلى  سلطة الدولة أو آليات السوق – برفع أسعار المنتجات فيتحمل المستهلك عندئذ  الخسارة .

 

فإذا لم تكن هذه كافية تدخلت الدولة بإصدار بنكنوت جديد عن طريق التمويل بالعجز، أو ما يسمى  التضخم ، أو بتخفيض القيمة الشرائية للعملة المحلية ، بما يتحمله جميع المتعاملين بهذه العملة في الداخل أو في الخارج .

 

وفي جميع هذه الأحوال : هناك الخسارة ، لكن أساليب الاقتصاد الربوي الحديث تتمكن بآليتها من تحويل هذه الخسارة إلى  أضعف الأطراف ، وهو المستهلك الذي لم يدخل طرفا في هذه العملية في أي دور من أدوارها  .

 

فإذا لم تتمكن هذه الآليات من الإجراءات السابقة فإن تاريخ انهيار البنوك وإفلاسها تاريخ شهير ، حافل ، حيث تتحول هذه الخسارة إلى  أضعف الأطراف : مسئولة أو غير مسئولة ، من مالكي البنك والمودعين والمستهلكين والثروة القومية والدولة على السواء . 

وعلى سبيل المثال نذكر ما نشرته جريدة الأخبار المصرية في 16\8\ 1988 في الصفحة الثالثة : من أن البنك المركزي أصدر تقريرا سريا عن عملاء البنوك المصرية المتوقفين عن سداد القروض ، وقد بلغت ديون الكبار منهم الذين اقترض الواحد منهم أكثر من عشرة ملايين جنيه : بلغت 832 مليونا من الجنيهات ، أما الصغار الذين اقترض الواحد منهم أقل من عشرة ملايين فقد بلغت مديونيتهم عدة مئات أخرى ، وما نشرته الوفد في 6\8\1991 من أن البنوك المصرية تدين شركات القطاع العام المتعثرة بثمانية وثلاثين مليارا من الجنيهات .

 

وعلى المستوى العالمي فان تاريخ انهيار البنوك تاريخ حافل ، نذكر كمثال أخير ما نشرته جريدة الخليج بعددها الصادر في 30\8\1995 بعنوان ( إفلاس مصرفين عملاقين في اليابان ، والحكومة تعوم أحدهما وتجمد الآخر ، حيث أعلن وزير المالية ما سا يوشي تاكيمورا عن خطة لإنقاذ بنك هيوجو المحدود الذي كان له حتى 31\3\1995 قروض قيمتها 2.77 تريليون ين ( 28.2 مليار دولار ) وودائع 2.53 تريليون ين ( 25.8 مليار دولار ) وهو يرضخ تحت وطأة ديون متعثرة أدت بوزير المالية إلى  إنشاء بنك جديد يتولى أعمال هيوجو ويتخلص من ديونه خلال العشر سنوات المقبلة .

 

ومما يذكر في هذا الصدد ما تناقلته الأخبار من أن الحكومة الأمريكية تقترض 41.1 مليون دولار كل ساعة و مديونيتها وصلت حجما خرافيا يستعصي على الحل حيث بلغت فاتورة اقتراضاتها حوالي  4 تريليون دولار بكلفة 200 مليار دولار سنويا كفوائد وأنه من المتوقع أن يصل العجز في الموازنة المالية السنوية إلى  حدود 400 مليار دولار في عام 1992 [22][22].

ويبقى الإشارة إلى  انهيار الاقتصاد الماليزي والإندونيسي والكوري والآسيوي بصفة عامة بعد تقدم كبير وصفت فيه هذه الدول بالنمور الآسيوية وذلك تحت وطأة المضاربات في البورصة وفق مؤامرة ربوية كبرى قام بها اليهودي الرأسمالي العالمي المدعو جورج سوروس فقدت فيها عملة ماليزيا فجأة في يوليو 1997 30 % من قيمتها [23][23].

 

( وقد ورد في بيان لصندوق النقد الدولي صدر في نوفمبر 1997 أنه في خلال الخمس عشرة سنة الماضية تعرض ما لا يقل عن ثلاثة أرباع الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي – أكثر من مائة دولة – لأزمات في القطاع المصرفي ، فمنذ عام 1980 مثلا بلغت تكلفة المصاعب المالية بالقطاع المصرفي في الدول النامية فقط 250 مليار دولار أمريكي ، فبالإضافة إلى انهيار بنك بيرنجز البريطاني تعرض أحد أكبر البنوك الفرنسية واسمه كريدي ليوني لكارثة مالية كلفت مساهميه ما لا يقل عن 35 مليار دولار ، وعليه فإن طبيعة نشاط المؤسسات المالية يجعلها عرضة لأنواع من الأزمات تتعلق في كثير من الأحيان بعنصر الإشراف والتنظيم  )[24][24] ، وهما عنصران دائمان باحتمالاتهما الإيجابية والسلبية في كل نشاط مصرفي .   

 

 وبهذا يتبين أن القول بان البنوك غير معرضة للخسارة وإن تعرضت فإنها تملك احتواء الموقف قول غير صحيح على إطلاقه ، وفي فشلها في ذلك تأتي الكوارث المالية والاقتصادية والسياسية الكبرى مما هو معروف ، ونحن في غنى عن تسجيله الآن .

يقول الشيخ طنطاوي [25][25] : إن البنوك إذا خسرت في عملية تربح في أخرى ، فيغطي الربح الخسارة . وهنا نقول : بالرغم من محدودية هذه الآلية ضمن ظروف محدودة ، فإن على الشيخ أن ينظر في مسألة الخسارة هذه إلى  الطرف الثالث ؛ الذي هو صاحب المشروع المقترض من البنك الذي يخسر مشروعه لبوار السلعة التي ينتجها المصنع ، أو اجتياح آفة لمحصوله الزراعي ، أو انهيار عمارته ، أو زيادة التكاليف على الدخل ، أو لأسباب عالمية ، أو لأسباب أخرى ، وهو الذي يدفع للبنك فائدة يذهب جزء منها إلى  خزينة المرابي الأول ( المودع ) ويذهب الجزء الثاني إلى  خزينة المرابي الثاني ( البنك ) ؟! فأي ظلم ؟؟

 

ويرى  الشيخ طنطاوي  [26][26]: أنه في حالة التضرر من الخسارة ينبغي أن يسمح باللجوء إلى  القضاء . ونقول : فضلا عن أن ذلك يتعارض مع مقتضى قانونية أوضاع البنوك ، ولا يمكن السماح به ، فان فيه إقرارا بأن العلاقة بين صاحب المال ، ( المودع والبنك معا ) وصاحب المشروع يجب أن تقوم على نسبة من واقع المكسب والخسارة – رفعا للظلم عن كاهل أصحاب المشروعات – وليس على تحديد سابق لمبلغ الفائدة  ،  فإذا كان ذلك كذلك  … أليس هذا ما يقول به الفقهاء من أن المضاربة يجب أن تقوم على نسبة من المكسب والخسارة ، دون تحديد لمبلغ معين من الربح سلفا ؟

 هذا ومن المعروف أن مثل هذه الخسارة والتضرر لا يحدث نادرا ، بحيث يغفل أمره في بداية الأمر ، ثم يرفع أمره إلى  القضاء عندما يفاجئ بالحدوث ، ولكنه هاجس البنك الذي يحتاط له بالرهن ، وفرض الامتياز على أصول المشروع .  والأضابير مملوءة بأمثلة تفوق الحصر لأصحاب الطرف الثالث – أصحاب المشروعات – التي انصبت الخسارة على رءوسهم ، وخربت بيوتهم أو اصطنعوها وأعلنوا الإفلاس ؟!

 

ويكفي أن نتذكر الآن الخسارة التي وقعت على رأس مصر كدولة –  في ديونها مرتين في قرن واحد : مرة في أواخر القرن التاسع عشر أدت إلى  مجيء الجيوش الأجنبية ، ومرة في أواخر القرن العشرين أدت إلى  مجيء صندوق النقد الدولي !.

 

أما الوهم السابع من كبار الأوهام الطنطاوية فهو ما ذهب إليه في مناقشة القاعدة الفقهية في عدم تحديد الربح مقدما في المضاربة

وإذا كنا قد كشفنا ما تقدم من الأوهام دون الاضطرار إلى  الدخول في موضوع تحديد الربح أو عدم تحديده مقدما فإن موضوع تحديد الربح أو عدم تحديده يصبح خارج الموضوع .

 

 ومع ذلك فقد كان يجب على الشيخ  أن يحسن الظن بالفقهاء عندما اشترطوا عدم تحديد مبلغ الربح سلفا في المضاربة ، وأنهم عندما أجمعوا على ذلك كانوا متوافقين مع العقل والنقل معا [27][27] .

أما من ناحية العقل فلأن الإخلال بهذا الشرط يخرج المضاربة من كونها مضاربة إلى  عقد آخر قائم بذاته : إذ يتحول رب المال من شريك بماله  للمضارب الشريك بعمله ..يتحول إلى دائن ذي دين مضمون – وهذا حق له – وذي ربح مضمون ، وهذا ليس حقا  له من الناحية الشرعية لأنه هو الربا  .

 

 

وأما النقل فهو ما جاء في أحاديث المزارعة التي نص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه لا يجوز أن يكون نصيب مالك الأرض أو العامل فيها هو ما يتحدد في بقعة معينة من الأرض .

فقد أخرج البخاري بسنده عن رافع بن خديج ( كنا أكثر أهل الأرض مزدرعا ، كنا نكري الأرض بالناحية  أي بما يخرج من ناحية منها – منها مسمى لسيد الأرض ، قال فمما يصاب ذلك  وتسلم الأرض ، ومما وفي رواية فمهما في الموضعين – تصاب الأرض ويسلم ذلك ، فنهينا عنه فما الذهب والورق أي الفضة فلم يكن يومئذ )

وفي رواية أخرى للبخاري بسنده عن رافع أيضا قال : ( وكان أحدنا يكري أرضه فيقول : هذه القطعة أي ما يخرج منها لي ، وهذه لك ، فربما أخرجت ذه ، ولم تخرج ذه ، فنهاهم النبي صلى الله عليه عن ذلك )

ورواه مسلم وأبو داود والنسائي عن رافع أيضا قال : ” إنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات مسايل المياه وأقبال الجداول أوائل المساقي والأنهار الصغيرة وأشياء من الزرع ، فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شيء معلوم مضمون فلا باس به  )

ورواه البخاري وأحمد والنسائي عن رافع قال : حدثني عماي أنهما كانا يكريان الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء جمع ربيع وهو النهر الصغير وبشيء يستثنيه صاحب الأرض فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك

وروى أحمد عن رافع أن الناس كانوا يكرون المزارع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم بالماذيانات وما يسقي الربيع وشيء من التبن ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم كرى المزارع بهذا ونهى عنه )

 

يقول فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر الأسبق في بحثه حول الموضوع الذي قدمه للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :

( ومن هذا يتبين أن اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة لا يجوز ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه ، لما يترتب عليه من الظلم بين الشريكين صاحب الأرض والعامل فيها لجواز ألا  تخرج الأرض غير ما اشترطه الأول لنفسه ، فيضيع عمل العامل وجهده ، على حين ينتفع الشريك الآخر وحده

، فأما كراء الأرض بالذهب أو الفضة أو بشيء غيرهما معلوم ومضمون في الذمة فلا شيء فيه . 

هذا هو ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورواه أئمة الحديث : البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنائي بألفظ متحدة أو متقاربة ، ولا يسع الفقهاء من مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلا أن يتبعوه ويقولوا به في المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر الشركات ، فإن اشتراط جزء معين من ربح ذلك وثمراته لأحد المتعاقدين قد يؤدي إلى المعنى الذي من اجله ورد النهي ، فإنه يخل بالمقصود من العقد وهو الاشترك في النتائج والثمرات )

 

إن العلة الجامعة كما يقول الدكتور محمد صلاح محمد الصاوي بين المضاربة وبين المزارعة أن كلا منهما شركة بمال من جانب ، وعمل من جانب ، والحكمة في اشتراط الشيوع تحقيق العدل بين الطرفين ، لأنه إن اشترط ربحا معينا كمائة جنيه مثلا فقد يقل الربح حتى لا يصل إلى المائة ، وحينئذ تنقطع الشركة ولا يكون للعامل أو رب المال أو رب الأرض شيء ، بل قد لا يربح المال بالمرة ، والمعاملات المالية قائمة على العدل .

 

ويقول الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج ( وإذا كان اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة قد حظرته الشريعة ونهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلام لما فيه من الغبن والظلم بأحد الشريكين المتعاقدين على الاشتراك في الربح والخسارة فلماذا يرد في وجه الأئمة الفقهاء قولهم بلزوم خلو العقد من ذلك الاشتراط الجائر الظالم ؟ وهم لم يقولوه إلا تطبيقا للسنة الصحيحة وعملا بنا تدل عليه نصوصها الصريحة ؟ وكيف يسوغ من مطلع على نصوص الشريعة ومواردها أن يقول في اشتراط ربح محدد لرب المال في المضاربة إنه جائز غير مخالف لكتاب ولا سنة وإن كان فيه مخالفة لأقوال الفقهاء ؟ أو لا يكفي النص على حظر ذلك الاشتراط ومنعه في المزارعة فيعلم أنه محظور وممنوع في المضاربة والمساقاة وغيرهما من فروع الشركات ؟ وهل من حسن الظن بالشريعة العادلة أن يقال : إنها تمنع من الظلم والجور في شركة المزارعة وتبيح ذلك في شركة القراض ؟ 

هذا إلى أن الإمام مالك بن أنس رحمه الله قد اثبت في الموطأ انعقاد الإجماع على انه لا يجوز : اشتراط جزء معين غير نسبي لصاحب المال في القراض نفسه ، فإنه قال في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا واشترط عليه فيه شيئا من الربح خالصا دون صاحبه : إن ذلك لايصلح وإن كان درهما واحدا إلا أن يشترط نصف الربح له ونصفه لصاحبه أو ثلثه أو أقل من ذلك أو أكثر ، فإذا سمى شيئا من ذلك قليلا أو كثيرا فإن كل شيء سمي من ذلك حلال ، وهو قراض المسلمين . قال : : ولكن اشتراط أن له من الربح درهما واحدا فما فوقه خالصا له دون صاحبه وما بقي من الربح فهو بيتهما نصفين ، فإن ذلك لا يصلح وليس ذلك على قراض المسلمين ) اهـ

ويقول الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج في بحثه في المؤتمر المذكور عام 1972 في لهجة عتاب على أسلاف الشيخ طنطاوي الذين رسموا له قبل عقود طريق التطاول على أئمة الفقه والاجتهاد : ( ونظن أنه كان ينبغي التريث في الحكم ، فلا يهجم بغير بينة على الأئمة الفقهاء بما يمس مكانتهم في البحث والاجتهاد حتى على فرض أنه لم يعثر بادئ ذي بدء على تلك الأحاديث الصحيحة التي قدمناها

كان يجب قبل هذا الحكم الجريء والكلام موجه للشيخ طنطاوي من شيخ شيوخه من  ظهر الغيب    أن تدرس المسائل درسا مستوعبا كما كان يفعل أولئك الفقهاء الأعلام فيبحث في نصوص الشريعة عن كل ما يتصل بهذه المسائل ، وماورد فيها من أمر أو نهي ، وقبول أو رد ، ويفهم ذلك مله فهما واحدجا ، بجمع اطرافها وتستخلص به النتائج الفقهية الصحيحة ، ثم لا يكون على الباحث المستوعب من حرج بع ذلك إذا هو خط ـأ فقيها من الفقهاء أو خطاهم جميعا برمية واحدة ، وهذا فيما نرى هو أول واجب لحربة الرأ يوحرية البحث والنقد ، وهو أهم أركان الاجتهاد لمن يرة أنه اهل للاجتهاد ) !!!

 

نعم  كان يجب على الشيخ طنطاوي أن يحسن الخطى على درج الاجتهاد ، وكان عليه قبل ذلك  أن يحسن الظن بالشريعة والفقهاء جميعا عندما اشترطوا عدم تحديد مبلغ الربح سلفا في المضاربة ، وأنهم عندما أجمعوا على ذلك كانوا متوافقين مع العقل والنقل معا [28][28] .

ولكن الشيخ انخدع مع الأسف – فيما ذهب إليه من صحة تحديد الربح مقدما في المضاربة ببعض الآراء الشاذة التي ألقيت في المؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية( 1972) من كون القاعدة الفقهية القائلة بعدم تحديدها مجرد اجتهاد فقهي يصح الخروج عليه ، وقلدها ، وروجها باسمه ، واعتبرها إنجازا عصريا مستجيبا فيها لدعوة الحداثة والتغريب ، والليبرالية !! غير ملتفت إلى ما جاء في هذا المؤتمر نفسه ببحث فضيلة الإمام الأكبر الأسبق الاستاذ الدكتور عبد الرحمن تاج من الرد على هذه الآراء والقضاء عليها في مهدها ، قبل أن يبعثها الشيخ طنطاوي من أكفانها .

ومن هنا فلا يصح إطلاق القول بأن شروط المضاربة جميعها شروط اجتهادية من وضع الفقهاء لا سند لها من كتاب أو سنة ، كما يزعم الشيخ طنطاوي  : لأن اتفاق الفقهاء على هذه الشروط لم يحدث عرضا أو اعتباطا ، بل لأنهم رأوا إقرارَ الرسول صلى الله عليه وسلم للمضاربة ، وعملَ أصحابه بها .. رأوا ذلك الإقرار وذلك العمل واردا على معاملة خاصة ، من مقوماتها أن يكون الربح بين صاحب المال وبين العامل مشاعا ، فاعتبروا ذلك وقيدوا به هذه المعاملة ، وبينوا أنه إذا لم يتحقق لم تتحقق ماهية المضاربة التي تعامل بها السابقون وأقرها صاحب الشريعة [29][29]

 

إن محاولة التخلص من هذا الشرط – شرط عدم تحديد مبلغ الربح في المضاربة الصحيحة- بدعوى أنه شرط اجتهادي لم يرد به نص في كتاب أو سنة هي محاولة مبنية على زعم باطل

كما أنها لا تتفق مع نص القانون المدني في المادة الخامسة والخمسين التي تنص على أنه ( إذا اتفق على أن أحد الشركاء لا يساهم في أرباح الشركة وخسائرها كان عقد الشركة باطلا ) .

 

وبعد فإذا  كنا قد تعرضنا في هذا المقال لمجموعة من الأوهام

وهم حصر الربا فيما يكون أضعافا مضاعفة

وهم حصر الربا في الأصناف الستة

وهم حصر الربا في الصورة البيئية في الجاهلية 

 

وبخصوص  الأوهام الطنطاوية :

وهم حصر الربا في القروض الاستهلاكية

وهم القول بأن البنوك الموصومة بالربا تقوم بعمليات استثمارية

وهم القول بأن البنوك لا تخسر وإذا خسرت عوضت ما خسرته

وهم القول بأن اشتراط عدم تحديد الربح مقدما في المضاربة اجتهاد محض يمكن تجاوزه

فقد بقي فيها وهمان رئيسيان :

 وهم وجود توكيل من المدخر للبنك بالاستثمار  ، أو من البنك للمستثمر ، فإذا قلنا فأين هو هذا التوكيل ؟ قالوا : يكفي النية ؛ فدخلنا في وهم آخر :

وهم كفاية النية ، كفاية نية التوكيل وإن لم يصرح به الطرفان أو أحدهما . ومع أنه لم يعد هناك موضوع  لرد هذين الوهمين لقيامهما على وهم الاستثمار وقد أسقطناه ، إلا أن فتوى الشيخ تتمادى في سلسلة الأوهام ، وتدفع بها إلى مجلس المجمع ليصدر فتوى عام 2002 التي أوهمت بدورها أنه يساند الشيخ وما هو من ذلك في شيء ، غير المشاركة في صنع أوهام يقتات بها الجمهور الربا في نهاية المطاف ، ولهذا مقال قادم

والله أعلم


[1][1]  \   أنظر كتابه ( الربا في نظر القانون الإسلامي ) ص 12

[2][2] أنظر كتابه ” معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ) ط 15 ص 98

[3][3] أنظر قرارات المؤتمر في كتاب المؤتمر الصادر عن الأزهر لعام 1385 \ 1965 ص 401

[4][4] \ أنظر كتابه ” معاملات البنوك وأحكامها الشرعية” ط 15 ص 79

[5][5]  أنظر بحث الشيخ عبد الوهاب خلاف المشار إليه في صلب البحث أعلاه 

[6][6] كتابه المشار إليه سابقا ط15 ص 88

[7][7]  أنظر ( مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام ) للدكتور محمد صلاح محمد الصاوي ، رسالة دكتوراة بالأزهر نشر دار الوفاء ط1 ص 535

[8][8] في هذه الصورة يخالف الشيخ طنطاوي بحق أستاذه الشيخ عبد الوهاب خلاف في تجويزه إياها بتأويلها على أنها من باب بيع السلعة بثمن مؤجل يزيد على ثمنها في حالة البيع بثمن حال ، كما جاء في مقالته بمجلة لواء الإسلام السنة الرابعة العدد الحادي عشر والثاني عشر 1370 ، 1951

[9][9]  كتابه السابق الإشارة إليه ص 91

[10][10]  \     أنظر كتابه ( معجزة الإسلام في موقفه من الربا )

[11][11]  كتاب  معاملات البنوك وأحكامها الشرعية 107

[12][12] المصدر السابق ص 86

[13][13] أنظر كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية للشيخ طنطاوي  ط 15 ص 116

[14][14] المصدر السابق 126

[15][15]  بداية المجتهد جـ 2  صـ 236

[16][16] \ المصدر السابق .

[17][17]  كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ط 15 ص 108

[18][18] \ كتابه السابق الإشارة إليه ط 15 ص 86

[19][19] كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ط 15 ص125

[20][20]  أنظر كتاب الشيخ طنطاوي ص 95

[21][21] كتاب المعاملات المصرفية والأحكام الشرعية ص 130- 131

[22][22] \ الخليج 12 \ 1 \1992

[23][23] \ الخليج 17\1 \1997    

[24][24] \ الخليج  1\ 4 \1998

[25][25] المعاملات المصرفية والأحكام الشرعية ط 15 ص 130 – 131

[26][26]  المصدر السابق ص 131

[27][27] \ أنظر بداية المجتهد .

[28][28] \ أنظر بداية المجتهد .

[29][29]  كتاب مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية للدكتور محمد صلاح محمد الصاوي ، رسالة دكتوراه في الأزهر ص 541- 541

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s